الجمعة، 19 أكتوبر 2012

لم تنتهِ الحرب بعدْ!



كان صباح يعجُّ بغبار قصف الطائرات التي لا يكاد أنْ ينقطع هديرها ،طوال الحرب وهي تحلق بكثافة في سمائنا، ينبعث فيها نيران الرعب والموت ورائحة الجثث والأشلاء المحترقة والمتناثرة هنا وهناك...، ناهيك عن ركام المنازل فوق رؤوس أصحابها، و التي هدمت وقتلتْ أحلام و آمال ساكنيه.. شهداء في الشوارع،أطفال بجثثهم الطرية الصغيرة ،ملقاة على الطرقات، وجرحى يبحثون عمّن يداوي جراحهم النازفة دماً/ ،دماء على الجدران المنهارة ترسم خارطة الحياة، صرخات تحرج من كل مكان ،ولكنْ هيهات هيهات أن تجد مجيب!!!/
عيون على المجازر تذرف دمعاً وأخرى صامتة وعيون ظلامية الكلام واللسان ،ولا دور لها سوى التهكّم واللامبالاة والاسترخاص.والهدف هو أن يقدّم أهل غزة الطاعة والولاء والإذعان للمحتل القاتل بهمجيته وجنوده القاصرين عن الإطاحة بإرادة قاهرة ،وصلابة تقوى على جبروت تلمودهم ، هم أهل فلسطين في غزة ،وشجاعة من تبنّى هذه البقعة الجغرافية محطة نحوَ العودة ،وأضاعوا شموع الحرية في فضاء الكون وجاءوا بالأسطورة الفلسطينية التي أضاءتْ مجداً وعزة وكبرياء ،وقادوا ببسالتهم أروع المعارك، وكانوا فيها بأبهى نماذج الانتماء وروح التضحية والوفاء..، فكانتْ المعجزة التي تحقق فيها النصر الفلسطيني المجروح بالألم واختلط الجوع برائحة الدم والموت وكان الصبر طريق الانتصار /وبهذه الآلية ضربنا أروع الأمثلة عن المقاومة والنضال من أجل حرية غابتْ عن الأمة جمعاء دهوراً./

 دقّت الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً بتوقيت القدس، في تاريخ السابع والعشرين من كانون أول لعام 2008، فاختلطَ الزمان في متاهات القصف والاجتياحات، والدمار الشامل، التي شاهدها العالم كيف ومتى تمّتْ عبر فضائياته بأم عينيه.فأصبحت أعمدة الدخان تنصبُ نفسها في كل حدبِ وصوب ،فقد شعرتُ نفسي بأني في حلم من أحلام شخص فلسطيني (كعادتي)،يبحث عن حريته ،ولكن أصبح الحلم واقعاً يلامسُ الحياة في كينونتها ما دمت عربياً فلسطينياً
وتناثر صوت الحق بين جنازير الدبابات والمركفاة و مروحيات الطائرات، لأيام كانتْ فيها رجالات المقاومة في غزة تقبض على الجمر و تطعم أجسادها ،الدبابات ولا تهرب من أرض الفرقان ، كان الرجال هنا حق الرجال ،وكانتْ النساء يتجرّعن الموت دون صراخ ..، تبعثر الزمن، والوقت معلّق على رشاش الآلية الحربية للعدو ،لمْ يعد للوقت معنى سوى أنْ يقربنا أكثر من حتفنا ،نصبح نحن الواقفين فوق الركام ،هذه أشلاء تحت ركام أخر يقول مقاتل، ربما الزمن لم يحن بعد ، أو ربما بعد ساعات قليلة أو أيام قلائل، أو ربما في الاجتياحات القادمة ولن يكون موكباً جنائزياً تقام فيه الصلوات وتقرع فيه أجراس وأنغام الحزن والصمت ،ويقلب عليه اللون الأسود، بل إنها مواكب الفرح لأنها مواكب الشهداء الممتلئة بالزغاريد التي تخرج من تحت الحطام في ساحات أرض المعركة ،نحملهم على الأكتاف و نرقص فرحين بالحزن بما أتاهم الله من فضلة وهو الاستشهاد في سبيله../
وبالهتاف نودعهم و نعاهدهم، ونقبّلهم بزهر النرجس والعوسج، والريحان ، ونقدم لهم ولروحهم الولاء المقدس :يقول مقاتل. لا نعرف ما الذي يريده المحتل منّا وهو السارق لأرضنا وهو المحاصر لحريتنا وهو الذي يتقن لغة القتل فينا ،ويتلذذ بتعذيبنا ،فما الذي يريده بعدْ!!في غزة ،كان الحزن والألم معاً وعفوية سيدة جاوزتْ السبعين من عمر يحمل بين تجاعيد وجهها حزن الأيام وذكريات اللجوء ،وسنوات النكبة التي ما انقطعت أوجاعها حتى الآن ،تحاكي نفسها وهي تسير فوق المكان  على بقايا بيوت مخيم بيت لاهيا  وسط الأزقة التي تحوّلت ساحات مستوية بفعل الهدم التي قامت بها مجنزرات الاحتلال ،تبحث فيها عن أشلاء من داستْ أجسادهم الجنازير، واحترقت بالقنابل والفسفور الأبيض الحارق، الذي غطّى سماء المخيم ، كمْ كانت عصيّة غزة وصلبة وهي تتعرض لأبشع صور الارهاب في مواجهة عدو ليس من جنس البشر ولا يرحم ولا يحمل في جيناته من صفات الانسانية جيناً واحداً ،ولا يأبه بنداءات هيئات الأمم!، وقراراتها و دعوات المجتمع الدولي الكاذبة والخاذلة والمأسورة بأعمالهم الوقحة..! /عدوٌّ تعدّى بهذه كل أدبيات الحروب كعادته القديمة الجديدة ،التي مارسها في البدء حينما داس هذا التراب بعصاباته وشكّلت مجزرة دير ياسين أولى صوره وحتى وصل لمجزرة حربه على غزة و ما تبعها يومياً من أشكال الإرهاب ،ومروراً بكلّ أشكال الاحتلال التي ما خلت يوماً من بطشه و دمويته في شتى مدن وقرى الوطن الفلسطيني المغتصَب فما كان لغزة إلا الصمود ،يعني البقاء على هذه الأرض أحياء أو أموات وهذا بالفعل ما قرره أهل غزة ،وأبطال المقاومة الذين صنعوا الأسطورة وكان أجمل الرجال  وأنبلهم.في غزة كان الصوت الفلسطيني أعلى وأجل من أصوات الطائرات ،ودبابات الاحتلال ،مقاتلين قلّ نظيرهم فرساناً وقفوا أمام ترسانة الحرب الأولى في العالم ،بكل رجولة ،واستبسلوا في الدفاع عن أرضهم ،محطة العودة، عمالقة الرجال صنعت الأسطورة وقدمتْ أزواجها قرابيناً للحرية ،حتى صنعوا تاج الفخار على جبين كل فلسطيني وفلسطينية.../في غزة لمْ يعد لليل فيها مكان ،طلقات وصرخات وأنين أطفال ،حزن وبكاء وتكبيرات وهتاف بسقوط شهيد ،طيران وضجيج المدافع تدوي الثرى رماداً، وقنابل ورشاشات ، أصوات لم يعتاد عليها من قبل (سكان غزة)لم يعرفوا هذه الأصوات من أي جهة قادمة ، ولا على أي بيت أو حارة  ذاهبة ، فكل شيء مبهم طوال أيام الحرب ، لا تعرف من مات ومن بقيَ على قيد الحياة ،ولا تعلم من يُتّم و من أصيب ،ومنْ اعتقل إلى مكان مجهول ، في زمان (أيام الحرب)مجهول.، فالكل مجهول تحت نيران القصف الشديد،تحاول الاختباء خلف مكان أكثر أمناً ،أنت والعائلة والأطفال تحاول اسكات صيحاتهم وفزعهم ،وصراخهم فلم يستطيعوا النوم وسط كل هذا الضجيج والخوف .

يروي لنا بعض الجيران :بأنهم طلبوا بأن من ابنهم الكبير أنْ يلقي نظرة حول البيت  المحاصر بالآليات وجنوده والذي قد يغفل ولو قليلاً عن هذا البيت ، وأن يدركوا منفذاً لمكانِ آخر يؤيهم ،يكون أكثر أمناً ،ولكن كانت قناصة العدو أسرع من هذا التفكير ...،!!جندُ في كل مكان يبحثون عن الضحية والضحية شعب بأكمله ،جند يريد إخضاع غزة ،وكسر إرادة الناس هنا،  وهنا صوت يعلو ولا ينكسر ،وإرادة لن تلين ولن تعرف يوماً الإذعان ، كانت دلالات وجوه الاحتلال تشير إلى أنهم جاءوا لمحاربة ثأر قديم ،وكانتْ صرخاتهم مليئة بالخوف والرعب وكانوا يطلقون النيران والقنايل في كل مكان ، وكانوا يحملون كل أشكال السلاح، ويرمون به في كل اتجاه ، حتى أصبحتْ بقعة غزة مسرحاً لحرب إبادة علنية ، تُبث مباشرة عبر قنوات عالمية ، ولا أحد يحرك ساكنه عن كرسيه ،لأيقاف بث هذه المجزرة ،بلْ وقفوا يشاهدون الصور ، ولمْ يتأثروا إطلاقاً وبم نسمع سوى خطابات الشجب والاستنكار الخجولة ،التي كانت تصدر بين الحين والآخر، ووسط المعركة كانتْ غزة تعجّ بالقتلى ، وتفيض ألماً وأنهاراً من الدماء الزكية التي وصلت بشلالاتها إلى أراضٍ عربية! ولكن لا جدوى من حكومات حكمتنا !!

|صمتٌ مريب ، هلْ يصبح يوماً ثورة من أجل استعادة القدس وكرامتها!!|
أحمد الجزار 13،تشرين أول 2012 

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2012

في القدس


أنا لم أزر القدس قط ، ولكن منذ أنْ ولدتُ ، وأنا أسمع بالقدس و مساجدها و شوارعها و حاراتها ..، فكيف لي بتهويد آثارها و طمس معالمها ، أن أخفي ذاكرتي مما قد ملأته أملاً و حباً ببلد الإسراء و المعراج ، بلد فيها المسجد الأقصى و قبة الصخرة ، و لكنّي أنظر بمستقبل قريب ، أنْ أعيش أنا وأنتم و نحن ـ هناكـ ـ 
، كان ذلك عاجلاً أمْ آجلاً ...

هكذا وطني سيداتي وسادتي في القدس
في القدس رائحة الصلاة
في القدس بيتٌ قدسه النبي
في القدس مسجد و قبة
مسجدٌ دُمّر مراراً و تكراراً
قبة ذهبية اللون
قد تلامس بجمالها السماء
تعكس أشعة الشمس ، لتضيء فيها بيوتاً
و تشرق نهاراً خالصاً بذاته
في القدس حجارة وأبنية ذو لون ورائحة خاصة
في القدس
جدار من أروع الحجار 
وأبهر الأبواب من النخيل
في القدس بشرٌ ، عجزَ الإفرنجي و الصهيوني من مجاكرته
في القدس بلدٌ ،لا تحاكي مثيلاتها من بلاد
للقدس أبوابٌ..
لكل بابٍ حكاية ، و مع كل حكاية قصة ، و في كل قصة ثورة
فأبوابها تصرخ بهمسات خافتة خائفة، لمن يدقها
القدس ،بمساجدها و كنسها ، تراودني في منامي
رغم جرحٍ ، طال غيابه دهور
للقدس جهادٌ و صمود ، صفّق المجد له
في القدس عز و فخر و براءة أطفال
يقاوموا رغم أيادهم الصغيرة الجلّاد بعنجهيته
يؤرقني أنين الأقصى و جرح القيامة و موت الثقافة و التاريخ
لا يجد من يشفي غلة صدره
إلا حين أن نجدَ ركوض أطفالنا هناك
بدم الأبطال هناك مصبوغاً لوانا
بدم الأحرار تسقي الأرض طهراً
أنهاراً حمراً ، وأنغاماً حزانى
القدس شرف باهتَ فلسطين بروّادها
و بناءٌ مزخرفٌ بآيات الرحمن لا يدانى
القدس تنزف جرحاً سال من جبهتها
و أنيناً باحتْ به النجوى
القدس عربية إسلامية مسيحية
فيها أنفسٌ عزيزة ذو طعمٍ طيب
و أنفساً جبارة تأبى الهوانا
في القدس صهيوني، لم يبلغ أشده
يقتل ،و يهين من به عزة ووفاء
يحمل بين أحضانه بندقية ،أتقل من وزنه
يطلق بها رصاصات في باحات الأقصى
مترنماً بأصواتها ..
للقدس جهادٌ وصمود ،صفّق المجد له ..

الجمعة، 21 سبتمبر 2012

ذكرى في عام

يوم الرحيل
(مطار القاهرة الدولي)

لمْ يكنْ يراودني سوى أفكار مضرجة بالخيالات والإنفعالات الفانية و الآتية المتتالية ، في يوم أنْ قررت (الرحيل) ، والذي كان قسراً ولم يكن إجبارياً في آنٍ واحد |فقد أجبرت نفسي بإبعادها عن الوطن لسنوات قليلة عجاف، من أجل العلم والتعلم| ، و في نفس  الأثناء ، أنا خيّرتُ نفسي تطوعاً لها بأن أختار العلم و التعلم أولويةً ، وجعلته الهدف المنشود فقد سطَّر المتنبي بيتاً للشعر قائلاً : لولا المشقة لساد الناس كلهم ... فالجود يفقر والإقدام قتّال .

في مثل هذا اليوم قد قررت المغادرة ، وأنْ أبتعد عن غزة و أهلها ، وبحرها وجوها و نسيمها ، لأذهب إلى بلاد يعتقد الكثير بأنها ، ستجد هناك راحتك ، و ملاذاً آمناً لك ولمستقبلك ، ولكن هيهات بأن يكون جسدك حاضراً هناك في الخارج ، وروحك ما زالت و ستدوم هنا في وطني.
قررت اليوم الرحيل عن بيتي ، وعن حارتي بعيداً عن أهلي و و أقاربي و من أكسبني ثقافتهم ، وعلمّتهم و تعلّمت منهم ، و من عشقت مجاورتهم ، و لم أسئم يوماً أو أملّ الحديث و الجلوس معهم .
هناك في ذاك الشارع في غزة ، قد تجد يوماً آثار قدماي ، و صدى صوتي ما زال يراوح مكانه فقد يكون في آذان أهل بيتي ، فقد عشنا معاً أياماً ، وقضيناها حُسن القضاء ، فقد كانت بعضها تفوق الجمال، و بعضها الآخر كان مثقلاً بالحزن .
فقد كنتُ أشاركهم بأفراحهم ، وأتراحهم ، إنه فقط في وطني...!

استيقظتُ الساعة الخامسة فجراً ، بتاريخ ـ الحادي و العشرين من أيلول ـ و ذلك بعد مجرد غفوة بعد أيام عجّت بالزيارات الفرحة الحزينة التي كانتْ تمنحني وداعها رحيلاً ، لم تمدُّ للراحةِ بصلة ، استغرقت الغفوة ساعات قليلة ، وبعدها ، استيقظتُ فأُبصِرُ حولي ، لعلها تكونُ النظرة الأخيرة لأشياء عايشتها و إن كانت "جماداً" ، بدأتُ يومي بصلاة أذكر فيها ربّي ، وأدعوه بأن يتمّ سفري على خيرٍ .
بعد ذلك  ، أكلت بعض الشيء ، والذي كان أنْ استعصى دخولَ حلقي .
قبّلتُ إخوتي ، و بنظراتٍ مؤلمة خجولة ، ولكنها تحمل الكثير من معاني الفرقة والابتعاد ،فتحتُ باب البيت ، وبخطيً أخطو نحو الخروج ، فإذا بأختي الصغيرة تبكي ورفضها بأنْ أركبَ السيارة ـ و أبتعد ـ ولكنْ لم أستطعْ ، إنه القدر فعل ما يريد...
فقد ركبت السيارة ، فبهذا ترجّلتُ عن صهوة فرس أرض غزة ، و امتطيت خيول السفر والترحال و الغربة .
أثناء طريقي إلى ميناء غزة البري ، ضجّتْ قلوبنا دمعاً ، وارتطمتْ عظام القفص الصدري وجعاً ، و ذرقت عيوننا دمعاً .
منذ ذلك الحين يؤرقني حنين الأمّ و براءةَ الإخوة الصغار ، وانتظر كانتظار أمّ لمولودها الجديد، بأن أعودَ لكي أصافح أيادهم حباً و شبقاً.


الأحد، 9 سبتمبر 2012

أزمة اقتصادية في بلد لا يفهم سوى لغة الأزمات

نمرُّ قليلاً بأحدِ شوارع الضفة الضيّقة ، يقطن على ضفتيه أناس بسطاء ، لا يعرفون سوى الخبز و الطحين، والزيت ذو الطعم الطبيعي المصفّى من زيتونةٍ في أرضٍ ذاقت و ما زالتْ تذوق العذابات ، من مستوطنين و جيشٍ خلف ظهره لكي يحميه .
فضلاً عن ذلك بما  يمرّ به هذا الرجل الفلسطيني و ذاك الشبل الفلسطيني ، وهذه المرأة المكافحة ، فقد زادتْ أعباؤه ثقلاً و نصباً ، يتعبَ كاهله .
فنمرُّ حالياً بأزمة خانقة و غلاء أسعار ، وإذ بهؤلاء الناس البسطاء ، إذ طفح الكيل لديهم ، فلا سبيل لهم للتغيير سوى أنْ يخرجوا في مظاهرات ، لا يدركون بنتيجتها ، أو إذ بالمحتل يقرر بإرجاعهم إلى بيوتهم قسراً ، فهي ليستْ كمثيلاتها من دول .
فيخرجون بمظاهرات ينادون فيها ، بإيجاد حلول جذرية لهذه الأزمة ، التي أودت بمقتل شاب في غزة ، في عنفوان شبابه ، و ذلك لما مرّ فيه من حال لا يطاق .
فهؤلاء الشباب ينادون بالتغيير ، و إنني لأشعر بأنّ الربيع العربي يشدّ برحاله إلى الوطن ، بعد مرور سحابته من فوق تونس و مصر و اليمن و مكوثه في بلد كثرتْ فيه أنهار الدم سيولاً ـ سوريا ـ ، إذ بدأتْ بإنبعاث شرارات قد يضفي نوعاً من التغيير في حالنا السياسي والإقتصادي ، وأيضاً الاجتماعي .
إن حالنا لا يرضى به الصغير في القدس وغزة ، والخليل و بيت لحم  و جنين و أريحا , وغيرها ، و حتى الكبير من أزمات قاتلة ، فضلاً عن الانقسام الذي أدنى من أن نصفه بالأحمق.
و إذ سمعتُ قبل الأمس بأنّ فخامة الرئيس ، رئيس السلطة الفلسطينية التي تحكم نفسها ، بأنه سيلقي خطاباً للجماهير الفلسطينية في الوطن والشتات في صباح البارحة ، فقد خطر في بالي حينها ، بأن هذا أبٌ لشعب ، كما كان رئيسنا أبوعمّار ـرحمه الله ـ ، فقد زادني بهجة و أملاً ، بأنه ربما يحملُ في جعبته الكثير من الحلول المميزة ، التي قد ترضي هؤلاء الفلسطينين الذين لم يعرفوا الحلو في حياتهم ، والذين لا يعرفون سوى بقالتهم أو بسطتهم في الشارع الذي قد يحتله ذلك الصهيوني المتغطرس يوماً .
فإذا برئيس دولة فلسطين ، يتكلّم عن الأزمة بكلّ أريحية و كأنّ الشارع خرج ، ليس ليتظاهر مناهضةَ لسياسات الحكومة ، وإنما بالنصر بإسترجاع القدس!!
و أكملَ حديثه عن مواضيع سياسية ، تأخذ فقط من الوقت قليلاً ، لا شأنَ لها بواقع حياة .
و أخذَ يشدّ في حديثه إلى أنْ تكلّم عن غزة و حاكمها، و أني شعرتُ في كلامه بعضاً من الحقد الدفين ، و إذ يردّ عليه واحدٌ من سادات قومنا هنا في غزة ، بعد أقل من ساعة ، قوله : بأن أبو مازن يتنصّل من المصالحة ، عند دعوة الأخير بأنّ الانتخابات هي الحل الوحيد للغز الإنقسام ، و هي السبيل الشرعي! ، والوحيد للخروج من الأزمة الدائرة في الوطن .
و اتهامه أيضاً بأن الرئيس يريدُ أن يكبّ همّ الضفة من أزمات و مشاكل اقتصادية ، إلى غزة و على عاتق حماس .
أهولاء من حكمونا دهوراً ، أهم لهم أعينٌ لا ترى الورى إذ يئنُّ و الأقصى يهوّد ، و آذانٌ لا تسمع أنين الأطفال في غزة و القدس ، ولا يدركون التاريخ الفلسطيني ، إذ يرزحُ الفلسطيني تحت وطأة الإحتلال منذ أكثر من ستين عاماً .
ألا يكفي لنا محتل و زمرته بأساليبه القمعية ، و خططه الماكرة بأن يزيدونا الطين بله ، بحكومات ويكأنّها تحكمنا! بضمير.
فإذا بهذا شكل لحكوماتٍ تحكمنا ، فنحن بعد اليوم لسنا بحاجة إلى حكومات و سلطات تحكمنا ، و تزيدنا ألماً و تعمّق جرح أحلامنا و آمالنا ، فنريد أنْ نحكمَ أنفسنا بأنفسنا ، و نرحّب بالعصيان المدني ،فبهذا قد نشعرُ بكرامتنا قليلاً لشعب طلب الحرية كثيراً ، و غابت عنه كرامته دهوراً ... 

السبت، 18 أغسطس 2012

العيد

في حلْقي تختنق الأمنيات
و في ذاكرتي معلقةً بين ثناياه
بماضٍ يحمل بين طياته الحلو والمرْ
اقترب العيد و كأني طفلٌ ..
أفرح بثوبٍ جديد ..
أريد بعضاً من النقود (العيدية)!
لكي أفرح..
و أشتري بعض الحلوى
و أفرح..
و أستذكر قليلاً..
حينما كنت أشتري بندقية ألهو بها
و أفرح
يا ليتَ الزمان يعود قليلاً
لكي أعودَ طفلاً
واستمتع بفرحة العيد
و لكن الآن ..!
جاء العيد
و الوطن بلا فرحة
أو رُبّ فرحةٍ يكسوها هم و وهم
يُغطيها الانفصال و الكره
والقدسُ أصبحت بلا مسؤول
والمسؤولُ أصبح نائماً
و لا يدركْ بقدوم العيد
فكيف لي أنْ أفرح
ووطني مسلوبٌ
و أنين الأقصى يؤرقني!
و دماء الأطفال في بلدي و الشام تستباح..
بأي دمية يمكنني اللهو..
ما دامتْ لونها حمراء !
و هناك أسرى خلف القضبان بلا عيد
و جرحى و ثكلى و يتامى بلا معيِّد
و أنا في المنفى ..
أنادي و أرحب بقدوم العيد
ولكنْ..!
بلا قلب صادق بمحبته و مجيئه
فلا عيد لي ...
فهناك في المنفى ..
أفتقد الحلوى و البندقية ،و الدمية
لكي ألهو مع أصدقائي
فعذراً منك يا عيد
لا تقترب مني
فلا عيد لي بعد اليوم

و لكن لا مجال لي سوى
أنْ أقدم بعض الرسوم فرحاً بالعيد
فكل عام و فلسطين الى أعيننا أقرب
و أنتم إلى الله أقرب
و أدام الله بيوتنا وأوطاننا أفراحاً لا تنضب!!

18-آب-2012
عشية عيد الفطر 30-رمضان

الأربعاء، 15 أغسطس 2012

على عتبات نهاية شهر الرمضاء..

كنا ننظر بنظراتٍ ثاقبة إلى قدوم الشهر الكريم ، و الآن نحن على أطراف نهايته التي قد تكون مرة لافتراقنا عنه لمدة عام كامل قادم ، و يا ليت كل أشهرنا رمضان ، معاً نستذكر قليلاً مما تبعته السُّنة ، و قليل من الفقه اليسير البسيط ، الذي علّمناه ، و تعلمناه ، علماً بأنّي لستُ بعالمٍ ديني ، و إنما أستوحي بعضاً من الكلمات من وحي الواقع.

كنا نحن المسلمون قبل بداية الشهر العزيز على قلوب المسلمين ، و شوكةً على قلوب الذين كفروا ، كان جميع المسلمين يعتقدون بأنه سيكون شهر لن نستطيع تحمله ، و لن نقدر على أثقاله وأحماله ، و سيكون ثقلاً على أداء أعمالنا اليومية الحياتية خلال هذا الشهر، و أنه سينقصنا بعض الكيلوجرامات من أوزاننا ، و غيرها من الأقاويل الصبيانية ، التي تخرج من أناسٍ لا يفقهون كثيراً ، أو يتركون قليلاً من انطباعاتهم التي قد تكون مضحكة لبعض الناس . 
فمع بداية الشهر الكريم بدأ الناس بالتوافد بكثرة إلى المساجد من أجل أداء طقوس و مناسك الشهر الكريم الذي أُنزلَ فيه القرآن الكريم .
و بدأوا بقراءة القرآن و الصيام والقيام ، و اتباع الأخلاق والعادات الحسنة و قيم الدين الإسلامي و تعاليمه السليمة , و كان مرتكز ذلك في الثلث الأول من الشهر الكريم ، و هو ثلث رحمة الله ، فهذه هي هدية من الله ، كونك أتممت صلاتك و أديتَ قيامك بنية خالصة نقية ، ناصعة البياض لله عزوجلّ ، فنسأل مولانا القدير ، بكل اسمٍ هو له ، أنْ نكون ممن حفتهم الرحمة .
بعد مرور عشرة أيام من أكرم و أعظم أيام العام ، نخطو خطانا نحوَ أيام عظيمة أيضاً ، فهو الثلث الثاني من أيام الشهر ، و هي أيام المغفرة ، فقد شعرنا بعد مرور بعض أيام الشهر ، بقليل من السأم والملل من طول نهار رمضان ، و خصوصاً وقوع الشهر في قلب شهر الحر ، و الشعور بشدة العطش و غيره ..، فلذلك تجد من الناس من قلّت صلاتهم وقيامهم ، و ربما أعادوا بعضاً من العادات السيئة .
و نسينا بعظم هذه الجوهرة و هي المغفرة من الله عزّوجل ، فهذه أيام الستر و المغفرة والتوبة إلى الله تعالى ، كان لزاماً علينا أنْ نستغلها حسن الاستغلال ، و نستفيد من روحانياتها  ولياليها و أيامها ، وساعاتها في عبادة الله و لزومِ طاعته.
قد انتهينا من عشرين يوماً من أيام العز و البركة ، فلم يتسنى لنا إلا الحديث عن أيام قد عظمها نبينا عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم ، فعندما كان النبي كما ورد في ستنه الطاهرة ، أنه عند قدوم العشر الأواخر من الشهر الكريم ، كان يشدّ من مئزره ، و يوقظ بيته و أهله  ، و يتفرغ لعبادة الله تعالى .
فهذه الأيام ، هي أيام العتق من النيران ، فما بالك من قدوة و أسوة حسنة علينا اتباع تعاليمها ، وصفاتها بأمثل الطرق لنتلمس قليلاً ممن كان يفعله أنبيائنا صلوات الله عليهم ، فعند اتباع سنة نبينا بتعاليمها الجلية و الجليلة ، يعودُ خيراً و نفعاً على قلوبنا ، فنسأل الله تعالى بأسمائه و صفاته العلى أنْ يعيننا على طاعته و يصلح أمرنا وحالَ ديننا و يعتق رقابنا من النار في هذه الأيام الفضلى، ويهدينا إلى صراطه المستقيم الذي منه إلى جنات النعيم .

كما نعلم ، بأن الثلث الأخير من أيام رمضان بأيامه الفردية (العدد) ، هي أيام أيضاً عظامٌ و فريدة من نوعها ، لما فيها ليلة من أجلّ ليالي السنة و أفضلها ، و هي أفضل من ألف شهر مما نعد ، كما قال ربنا في محكم التنزيل "ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر" ، و في هذه الليلة تنزل الملائكة ، وهي ليلة نزل فيها كتابنا، المبارك بكلماته "القرآن الكريم" ، فهذه الليلة لمن قامها إيماناً و احتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه ، و من يستغل بركات هذه الليلة بأسمى معانيها ، أفضل استغلال ، فإنّ الله سيجزيه خير الجزاء بإذن الله.
نسأل الله أنْ يكونَ أنْ بلّغنا هذه الليلة أو سيبلغنا في الأيام المتبقية ، و أنْ يعيننا على أدائها بكافة أركانها ، ويعيننا على أوزارها ، و أنْ نقيمها حسن القيام و نحييها حسن الإحياء . 
إنها حقاً ليلةٌ ، تشعر فيه النفوس و القلوب أقرب إلى الله من أي وقت مضى ، يتلوها صفحة جديدة بنهارها اللامع بسماءٍ صافية ، تخلو من أيْ شائب كالثوب الأبيض لا يشوبه نقطة سوداء .
نسأل الله و نطلب من عظيم سلطانه ، أنْ يعيننا على إكمال الشهر بأجلّ صورها ، بلياليه المتبقية .
و أنْ يمنَّ علينا بيوم البركة و الخير ألا و هو عيد الفطر ، عيد المسلمين ، عيد الزيارات ، عيد صلة الرحم ، عيد الأطفال الفرِحَة بقليل من النقود التي قد تملأ حيزاً من جيبته الصغيرة .
عيد تكون النفوس إلى بعض أقرب .
وأسأل الله أنْ يجمعني مع أحبتي ...

27-رمضان 2012
15-8-2012



الاثنين، 13 أغسطس 2012

إلى أمي!

قال الشاعر حافظ إبراهيم في بيته العريق بشطريه : "الأم مدرسة إذا أعددتها .. أعددت شعباً طيب الأعراق" ،الذي يحمل معنى كفيل من أنْ يوضّح ما هي الأم ...! ، و لكن أنا سأتحدث بكلماتي المتواضعة .... !!!
والذي من المتيقن أنها لنْ توازي معناها المبهم بين عالم أعمالها!!

تزدادي حضوراً بيني و جسدي، منذ أن رحلتْ
تطارديني مثل ظلي،أخلعه فيرتديني، يؤرقني بعدِك، عندما ألبس الأبيض
غطيتيني بالثلج الأبيض
ولكنْ ربما بعض كلماتي تطفيء بعضاً من نار شوقي
هنا في بلاد الغربة المحرقة ، اتذكّر ألحاناً فقدتها
فلا شيء سوى الصمت في حضورك غيابك عني
لا شيء سوى أنتِ بالابداع في حنانكـِ ..
أنثر قليلاً من كلمات الحب التي لا تكفي أقلامي و لا أوراقي التعبير عنها بإتقان..
فما أنا إلا هو أنتِ ..
أنتِ مدرسة أبية ، معرفتك عنواني
كلماتِك باتت نجواي ..
عند الحديث عبر وسائل التواصل المتقدمة..
التي هي ليست بمتقدمة إذْ لم أقعْ في أحضانكِ أمّاه!
أتوقف عن الكلام ليس عجزاً .. إنما أملاً باللقاء
كنتُ أستيقظ على صوتك صباحاً
كصوت عصافيز تزقزق في الصباح باكراً
روحي تتمرد من أجل لقياكي من جديد
ربما آخذَ النسيانُ بعضنا ، فأكاد أنسى رائحة الخبز العجيب
فلم أرَ لعطائكـِ مثيــل..
لكني أشقى لكي أتذكّر!
أمي لقد أعجزتي لساني بنطقه
و ارتجفت يداي عند كتابتي لإبجدياتي

حضوركِ في قلبي كشجر زيتون راسغ في بلادي
يقاوم الجلاد و لكن يبقى قاطب
اليوم لا شيء يسعفنا سوى الصمت
و هل غير الصمت في حضورك معنى

فأي روحٍ هي روحك
بأي قلم أسطر شعري ليناظر مجهودك
لا أنسى كوب الشاي و قليلٌ من الخبز المحشو لعلي أكمّل يومي
و لكني أنأى بنفسي عنكِ برغم جرحك و دمعتك!
و هلْ غير الأم معنى!؟
سيسقط يوماً قناع البعد و الغربة
فلكل غروبٍ إشراقة صباح جديد
فمهما ابتعدتُ و أنتي ابتعدتي يا أمي فبطني شاهد على القرب

لا أنسى انتظارك الذي يكاد أنْ يطول
لا أنسى حنانك الذي ما زال ضباباً يحمل بين طياته معاني كثيرة
و آنسُ بصوت أم تحادث طفلها ،لقد زاد شوقي لك!
فللذكرى في القلب لقاتل!!
أنتِ كرائحة الريحان
أنتِ ستبقي ذكرى لا أنساها
كفاك فأصبحت كلماتي بلا ملابس لم أعدْ أقدر على التعبير!
عفواً !

أمي مدرستي!!